سمعة الحي تسبق ساكنيه ..!

الخبر، تحقيق- عبير البراهيم
لم تنج الأحياء السكنية من التصنيفات التي طالت البشر حتى وضعتهم ضمن طبقات أو شرائح ضمن المجتمع الواحد، فالأحياء هي البقعة التي تندرج تحت تصنيف درجات البشر من حيث المستوى والمعيشة والطبقة الاجتماعية والعلمية، وأحياناً الأخلاقية أو ما يندرج تحت بعض القيم.
ويعني الحي المكان الذي يقطنه فئة من أفراد المجتمع، فحينما نتحدث عن شمال مدينة “الرياض” مثلاً فإن ذلك قطعاً يختلف عن جنوبها، وكذلك الحال بالنسبة للمناطق الأخرى في “المملكة”، فالحي أو المنطقة لا يعني لدى أفراد المجتمع منطقة جغرافية لها حدود وموقع على الخارطة، بل إنها أصبحت تعني جملة من الأفكار والمعتقدات حول من يعيش في هذا المكان، فقد يُسأل عن الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الشخص، وقد يُبنى على ذلك كيفية وحجم التعاطي معه من حيث القبول أو الرفض، وقد يصل ذلك التقييم أحياناً إلى السمات الخُلقية والقيم.
وقد ساهم في تعميق هذه التصنيفات بعض أفراد المجتمع الذين يعتقدون أن الحي يعكس الوجه الحقيقي لساكنيه، حتى أصبح لتلك الأحياء سمعتها التي تحدد توجهات الفرد ومدى قبوله أو رفضه لها، ذلك الرفض الذي أصبح يطال التعاملات الإنسانية بصفة عامة كتكوين الصداقات والزواج والجيرة وغير ذلك، فهناك من يطلق الأحكام العامة دون تفكير على بعض الفئات لمجرد أنها تسكن في حي من الأحياء، فيقال هذا حي سرقات، وهذا حي سيئ السمعة، وهذا حي الفقراء، وغيرها من التصنيفات التي تعمق “سمعة الحي”، فهل من حقنا أن نسهم في تشويه سمعة الآخرين لمجرد وجود حيّهم في منطقة جغرافية ما؟، وكيف من الممكن أن نبتعد عن تشويه سمعة الأحياء لمجرد تصنيفات سطحية كان لها دور كبير في إسقاطات سلبية على من يسكنها؟.
ويبقى من المُهم أن يتخلص أفراد المجتمع من إلصاق التهم على بعض الأحياء، فالأهالي ليس لهم ذنب في أي ظاهرة سلبية، إضافةً إلى أهمية إدراك أن الحي بقيمته وليس بوضعه المادي، ولا ننسى أن على الجهات الحكومية دوراً كبيراً في إلغاء مثل هذه التصرفات عبر إنشاء مشروعات تنموية تقضي على كل فكر سلبي يُريد أن يُشوّه أي حارة أو أي حي.
لابد أن يتخلص أفراد المجتمع من إلصاق التهم على بعض الأماكن.. الأهالي ليس لهم ذنب
نقد موضوعي
وقال “د.محمد بن مترك القحطاني” -عضو هيئة التدريس بقسم علم النفس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية-: إن هناك من يمتدحون بعض الأحياء، وهناك من يذمونها، بيد أن نظرة أفراد المجتمع في بعض الأحيان تكون موضوعية بالنسبة لبعض الأحياء، فحينما يقال مثلاً:”أن هذا الحي موقعه متميز أو أن مداخله ومخارجه واسعة أو أن سكان هذا الحي جيدون”، فإن ذلك لا بأس به، مضيفاً أن هناك نقداً لبعض الأحياء، وهو أيضاً لا بأس به، فحينما يقال مثلاً:”أن هذا الحي بعيد عن المدينة أو أن موقعه الجغرافي كثير المرتفعات أو المنخفضات أو أن شوارعه ضيقة”، فإن هذا النقد عندما يكون موضوعياً لا بأس به حينما يكون الغرض منه التحفيز.
تنفيس انفعالي
وأوضح “د.القحطاني” أن المشكلة تكمن حينما يُلصق بعض أفراد المجتمع التهم بأحياء معينة، أو ربما ضخموا بعض الأحداث في حيٍّ ما، فعلى سبيل المثال هناك من يصف حي من الأحياء بأنه كثير حوادث السرقة، أو أن حي آخر يوجد به عمالة كثيرة أو غير نظامية، موضحاً أن بعض الأفراد يستخدمون الإسقاط على الأشياء، بمعنى أن يُسقط الفرد ما فيه من عيوب وأخطاء على غيره من الناس، وذلك كمن يقول: فلان يكذب أو يسرق، وفي الحقيقة فإنه هو من يمارس هذا السلوك، مشيراً إلى أن ذلك نوع من الإسقاط يأتي من منطلق التنفيس الانفعالي، فنجد بعض الأفراد يلصقون التهم ببعض الأحياء من باب التنفيس الانفعالي ومن منطلق الدفاع عن النفس، كأن يقال:”الحي الذي أسكن فيه أفضل من الحي الفلاني الذي يتصف بالسرقات”.
إلصاق التهم
وأشار “د.القحطاني” إلى أن إلصاق التهم بالأحياء ساهم في انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مضيفاً أن هذه الوسائل ساهمت في تضخيم التهم، فعلى سبيل المثال حينما تحدث جريمة في حي من الأحياء فإنه من الممكن أن تتضخم هذه الجريمة؛ نتيجة سرعة تناقلها بين الأفراد عن طريق هذه الوسائل، مؤكداً على أن إلصاق التهم بالأحياء سلوك غير جيد وغير حضاري، داعياً من يسلكون هذا المسلك إلى مراقبة الله -سبحانه وتعالى-، واستشعار أنهم سيُسألون عن ذلك يوم القيامة، مشدداً على ضرورة الاتصاف بالموضوعية في النقد والتركيز إيجاد الحلول.
غيبة مُحرَّمة
وأكد “د.عبدالعزيز القنصل الغامدي” -أستاذ العقيدة بجامعة الملك خالد- على أن وجود مثل هذه التصنيفات للأحياء لا يمكن أن يحدث إلاّ من ضعاف النفوس أو ممن لا يملكون من العلم شيئاً، مضيفاً أن هذا السلوك يدخل ضمن الغيبة المحرمة على شخص واحد فكيف بذلك حينما تطلق الغيبة على حيٍّ بأكمله؟، موضحاً أن الشخص المُغتاب في هذه الحالة سيتحمل مسؤولية من اغتابهم أمام الله -سبحانه وتعالى-، مشيراً إلى أن على من يُصدر حكماً أن يأتي بدلائله وشهوده، وإلاّ فإن عليه أن يتحمل مسؤولية مثل هذه المسميات، كما أن من الواجب إحالته إلى الجهات المعنية لتتخذ بحقه الإجراء المناسب، مضيفاً أن إطلاق التهم على بعض الأحياء يندرج تحت إلصاق التهم على أحياء أخرى من باب التنافس على الألقاب ومن منطلق الانتصار للذات، فربما يصل الأمر إلى اتهام البيوت الشريفة والمحترمة والمدن المقدسة من أناس لا ينتمون إلى الدين بصلة، أو ممن يحقدون على المسلمين.
التجاهل أفضل
وشدّد “د.الغامدي” على ضرورة فرض العقوبة على مثل تلك التصنيفات للأحياء، إلى جانب فرض المنع لتلك التهم السلبية والجديدة التي لم تكن تعرف من قبل، مشيراً إلى أنها لا تنتشر إلاّ بين قوم قد وقع فيهم الجهل وكبر وامتد، مبيناً أن أهل العلم والوعي يستفيدون مما تعلموا في دينهم ودنياهم، ويرتقون بأمتهم وبلادهم، بيد أن إلصاق التهم على هذا الحي أو تلك الحارة هو مسلك الجهلة العاطلين، مبيناً أن هناك من يرغب في الشهرة ولو بكلمة الكفر، فقد رُوي عن أحد الشعراء أنه قال أبياتاً شعرية هجا بها شاعراً مشهوراً جليلاً، فقيل لذلك الشاعر الجليل إن فلاناً الشاعر قد هجاك، فلو رددت عليه، فقال:”لو رددت عليه لرفعت من خسيسته”، مشيراً إلى أن بعض الناس قد يرغبون في الشهرة ولو بالسوء، مستشهداً في هذا الشأن بما رُوي عن بعض الوعاظ غير المعروفين بالعلم، أن أحدهم أرسل أحد طلابه إلى بغداد فقال: انظر هل كتبني “الحافظ البغدادي” في الثقاة أو الضعفاء، فقال:”والله ما علم عنك بشيء، ولم يكتبك لا في الضعفاء ولا في الثقاة”، ومثل هؤلاء فإن التجاهل يقتلهم، داعياً إلى تجاهل من يلصقون التهم ببعض الأحياء ومعرفة أنهم أصحاب سوء.
إطلاق النكات
ولفت “د. مضواح المضواح” -باحث في علم الجريمة والعقوبة- إلى أن هذا التصنيف يحدث في جميع دول العالم دون استثناء وليس على مستوى الحي فقط، بل إنه يحدث على مستوى المدينة أو المنطقة أو الولاية داخل الدولة الواحدة، مضيفاً أنه موجود كذلك على نطاق دولي أوسع لا يختلف كثيراً عن المعنى الذي نتحدث عنه في هذا السياق، موضحاً أن الدول مصنفة إلى دول العالم المتقدم ودول العالم النامي ودول العالم المتخلف أو الثالث، مشيراً إلى أن لهذا التصنيف سلبيات كبيرة على نفسيات ساكني الحي أو المدينة.
وأوضح أن هذه التصنيفات قد يكون لها بعض الايجابيات فيما يتعلق بسعي كل حكومة لخدمة المجتمع والتصدي لهذه المسميات عبر تنفيذ المشروعات الديموقراطية والتنموية والتربوية والعلمية؛ للخروج من التصنيف الأقل إلى مستوى التصنيف الأعلى، مضيفاً أن بعض الأنظمة في العالم الثالث سخرت أجهزتها الفاسدة لإطلاق النكات المتعلقة بهذه التصنيفات؛ لإحداث حالة من انهيار الذات والإحباط لدى فئات معينة لإبقائها في حالة من الدونية.
سلوك سلبي
ورأت “نعيمة الزامل” -مديرة جمعية ود الخيرية- أن محاولة تشويه سمعة بعض الأحياء سلوك سلبي يصنعه بعض أفراد المجتمع، مضيفة أن البيئة قد تربي مثل هذا السلوك بداخل الفرد؛ بسبب ظروف غلاء المعيشة وتوفر المساكن الجيدة مقارنة بالمساكن الرديئة، مشيرة إلى أن هناك بعض الأحياء تجتمع فيها عدة صفات سلبية، كانتشار المساكن القديمة وضعف الدخل المادي وانتشار الفقر فيها لدرجة أن يلصق بالحي بسبب ذلك تهم من ذلك القبيل، مبينة أن صعوبة المعيشة أصبحت تهمة خاصة على الأبناء الذين يدفعون ثمن اتهامات الأحياء.
واستشهدت في هذا الشأن بحي “الثقة” في مدينة “الخُبر”، إذ إنه على الرغم من وجود بعض المميزات الجيدة فيه ووجود بعض الأسر المتصفة بسعة العيش، إلاّ أن هناك من يطلقون بعض التهم على هذا الحي؛ بسبب وجود عدد كبير من العمالة الوافدة في هذا الحي نتيجة انخفاض أسعار العقار فيه، إلى جانب وجود بعض الأفراد الذين يمتهنون التسول، مشيرة إلى أن تلك العوامل عكست فكرة سلبية عن هذا الحي عند عامة الناس، موضحة أن الفقر لا يجب أن يكون سبباً في إلصاق التهم ببعض الأحياء كوصفه بحي الفقر أو السرقة أو الجرائم الأخلاقية.
تأثير نفسي
وأشارت “نعيمة الزامل” إلى أن من يسكنون هذه الأحياء يتأثرون نفسياً بشكل سلبي نتيجة لذلك، كما أن ذلك يؤثر أيضاً على سمعة أبنائهم بين أفراد المجتمع، وقد يحدث عدم الشعور بالانتماء داخل المجتمع، خاصةً أن بعض أفراد المجتمع يعتبرون أن من يسكن أحد الأحياء التي تقطنها العمالة الوافدة يتصفون ببعض الصفات السلبية، لافتة إلى أن على المجتمع أن يتخلص من إلصاق التهم ويعلم أن المجتمع بقيمته وليس بوضعه المادي، مضيفةً أن رخص أسعار العقار في منطقة ما قد يسهم في تجمع عدد كبير من الأسر التي تتسم بالفقر في منطقة من المناطق.
وتوقعت أن يتم التخلص من تكدس الفقراء في حي من الأحياء ممن تلصق بها الجرائم أو السرقات أو الانحرافات الأخلاقية، على الرغم من وجود بعض الأسر التي تتصف بالاحترام الشديد في حي يتصف بالفقر، مضيفة أن مما يؤسف له أنه ليس للجمعيات الخيرية أي دور إيجابي في تفكيك تجمع الفقراء القاطنين في منطقة ما أو حي من الأحياء يشتهر بالفقر.





Copyright © 2012 dralqahtany . All Rights Reserved. Designed by top line.