الأخبار

المواقع الإباحيّة.. التحصين الذاتي أجدى!

لم يعد بوسع الأب منع الصور والمواقع غير الأخلاقية عن ابنه أمام الفضاء المفتوح.. المعركة اليوم معركة قناعات

 

المواقع الإباحيّة.. التحصين الذاتي أجدى!

 

تحقيق – عبير البراهيم

في الوقت الذي أصبح فيه العالم مفتوحاً والمجتمعات أصبحت متقاربة، أصبح من الصعب جداً بل وربما من المستحيل الحد من قدرة الأبناء -خاصةً المراهقين- على التنقل بين المواقع المختلفة سواء النافع منها أو الضار، وعلى الرغم من التحذيرات الكثيرة التي نقرأ ونسمع عنها عن خطورة المواقع الإباحية، والجهود التي تقوم بها المؤسسات المعنية بحجب تلك المواقع إلاّ أنها ظلت تصل إليك دون أن تبحث عنها أو تبحث عن شفرة لها كما كان يسعى الكثير من الشباب لفعله في حقبة زمنية سابقة، ففي الوقت الذي أصبحت الإعلانات التسويقية تصل عبر البريد الالكتروني للفرد فتحثه على الشراء أو الزيارة لمتجر شهير، فإننا في المقابل نجد أن هناك رسائل تباغت بريدنا الإلكتروني تحمل صوراً عارية أو مشاهد تحث على المراسلة والتواصل والعلاقات غير الشرعية، وكذلك يفعل عالم “توتير” و”فيس بوك” الذي أصبح هناك متابعون ممن ينتمون إلى تلك المواقع ويطلبون صداقتك، في الوقت الذي أصبح “تويتر” و”فيس بوك” متاحاً حتى للأطفال من الفئات العمرية الصغيرة والتي تبدأ أعمارها في سن الثامنة أو التاسعة.

وفي دراسة نشرتها أحد المواقع المهتمة بالموضوع وجدت أن أكثر من (28) ألف مستخدم للانترنت يتصفح المواقع الإباحية في كل ثانية، شكّلت النساء منهن نسبة (23%)، في حين وجد أن أكثر الأعمار التي تزور تلك المواقع تترواح مابين (18) إلى (24) عاماً، والتي شكّلت نسبة تصل إلى (61%)، في حين وصل عدد من يرتاد مثل هذه المواقع من فئة الأعمار (55) عاماً وما فوق بنسبة تصل إلى (32%).

وعلى الرغم من تضخم تلك النسب لمرتادي المواقع الإباحية، إلاّ أن القضية أكبر من عدد نسب لفئات عمرية، فالإشكالية تكمن في وقت أصبح يصعب فيه على الأسرة أن تقنن من دخول الأطفال والمراهقين على قنوات التواصل الاجتماعي أو على موقع قوقل وبكبسة “زر” تظهر العديد من الخيارات التي يمكن أن يكون منها دعوة لموقع إباحي، ذلك المتاح أوجد نوعاً من الخطر الكبير على تفكير الأبناء -من المراهقين- من خطورة تسمم الأفكار وصولاً إلى الإدمان والشذوذ، في زمن أصبح من الصعب جداً غلق قنوات التواصل الاجتماعي المتنوعة، فكيف يمكن أن نوجد الحماية في وقت لا حماية فيه من عالم منفتح يدفع الفرد إلى أن يواجه مختلف التوجهات والافكار، كيف يمكن تحصين أبنائنا المراهقين في وقت خلوتهن بأجهزتهن؟، بل وكيف يمكن أن نحميهم من أنفسهم، وأن يخرجوا من ذلك الانفتاح غير المشروط بأقل الخسائر.

ويبقى من المهم توعية الوالدين للأبناء بخطورة هذه المواقع، كما يجب على المعلمين والمعلمات في المدارس زيادة الوازع الديني والخلقي لدى الطلاب وتوجيه النصح لهم بعدم الدخول إلى هذه المواقع الاباحية، كما أنه على وسائل الإعلام المقروءة والمرئية مناقشة خطورة مثل هذه المواقع وتوضيح كيفية العلاج، وأخيراً يجب دعم الرقابة الذاتية لدى الأفراد، حيث يحتاج المراهق إلى أن يعرف أن ذلك محرم ولا يجوز.

توجيه تسويقي

وقال د. محمد القحطاني -أستاذ علم النفس المشارك-: إن المواقع الإباحية لها تسويق مثلها مثل أي منتج، وهذا التسويق يستغل المراهقين والمراهقات بشكل كبير، فالتوجيه هنا يكون بمثابة التوجيه التسويقي كما في أدوات التجميل التي تستهدف الفتيات والصغار، مضيفاً أن المواقع الاباحية تستهدف المراهقين لعدة أسباب أهمها أن المراهق سهل الاستثارة الجنسية والانفعالية وسهل التأثير عليه، فيصعب السيطرة على انفعالاته، كما أنه يجد صعوبة في التحكم بغرائزه أحياناً بعكس الناضج، كذلك لدى المراهق نزعة أكثر للتجريب والمغامرة أكثر بخلاف الكبير، إضافةً إلى أن المراهقين يمرون بمرحلة نمو وهو انتقال الفرد من مرحلة الطفولة إلى البلوغ، وهناك شيء جديد بالنسبة لهم وهو الهرمونات الجنسية التي كانت غير مفعلة في مرحلة الطفولة، فتكون فائضة في مرحلة المراهقة، وهذه العوامل جميعاً تجعل المراهق أكثر عرضة لتصفح المواقع الإباحية، مشيراً إلى أن الأثر النفسي يتمثل في الإدمان وتكرار مشاهدة الشيء قد يسبب إدمان نفسي فتصبح عادة، فبعد أن كان يتصفح لمدة عشر دقائق فإن المدة بعد فترة تصل إلى نصف ساعة حتى تتحول إلى إدمان ويعتاد عليه، ذاكراً أن الحاجز الديني والنفسي يقل ويضعف مما يؤدي إلى زيادة متابعة المواقع الاباحية.

إنهاك فكري

وأوضح د.القحطاني أنه قد يصاب المراهق هنا بالإنهاك النفسي والفكري والبدني لمشاهدته مثل هذه المواقع، حيث أن الجهاز العصبي يكون مستثاراً لكثرة مشاهدة هذه المواقع، فالحمل يكون كبيراً على الجهاز العصبي، ومع طول شد الأعصاب وطول شد الغرائز يصبح لديه إنهاك فكري سينعكس على دراسته وتحصيله الاكاديمي إن كان طالباً، أو موظفاً أو زوجاً، مضيفاً أن إدمان الفرد على المواقع الاباحية يؤدي إلى انعزاله عن الواقع، فالانطواء إلى دقائق سيقوده إلى الانطواء لساعات، مبيناً أن الانطواء له مشاكل قد يسبب الحزن وضعف الانتاجية والاكتئاب، ويقلل مهارات التواصل مع الآخرين، مقترحاً على الوالدين أن يمدوا الأبناء بالتوعية الدائمة بخطورة هذه المواقع، كما يجب على المعلمين والمعلمات في المدارس أن يرفعوا الوازع الديني والخلقي لدى الطلاب وتوجيه النصح لهم بعدم الدخول إلى هذه المواقع الاباحية، وتعزيز ذلك من خلال وضع شعارات معينة أو تحديد حصة للحديث عن ذلك الموضوع، مُشدداً على دور وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والتي تناقش وتوضح خطورة مثل هذه المواقع وتوضح كيفية العلاج، كما يجب على المؤسسات الأمنية أن تضاعف جهدها لفرض العقوبات، مع إقفال مثل هذه المواقع الإباحية، لافتاً إلى أن مثل هذه المواقع تسبب الشذوذ؛ لأنها تعلم المراهقين الشذوذ الجنسي، وكذلك البالغين خاصةً كثرة عرضها لمشاهد وصور تحتوي على سلوكيات شاذة.

 

ضبط ذاتي

وتحدث د.صالح العقيل –أستاذ علم الجريمة– قائلاً: إن المواقع الإباحية كغيرها من السلوكيات المنحرفة والإجرامية والمشاكل التي أصبحت تنتشر بين شرائح المجتمع، وتحاول أن تبث سمومها في المجتمعات العربية، فهي لن تقف عند الترويج أو نشر هذه الثقافات الاباحية، ولن ييأسوا مثل هؤلاء من محاولة خدش ثقافتنا المحافظة، بطبيعة الحال إذا كسبوا طفلاً واحداً فهم بذلك إنما حققوا مكاسب كبيرة، مضيفاً أننا لا نستطيع من خلال الجهود الفردية أن نحد من هذه الثقافة الإباحية المنحرفة أو منعها، مبيناً أن المنع ينفع في حالات سواء في “توتير” أو محرك البحث على مستوى الجهود المبذولة الرسمية، والتي تحد من هذه المواقع وتضعها في إطار محدود، ذاكراً أنه يجب أن يكون هناك آلية جادة للحد من تأثير تلك المواقع الإباحية، مشيراً إلى أنه على المستوى الفردي فنحن بحاجة إلى دعم الضبط الذاتي لدى الأفراد، حيث يحتاج الطفل والمراهق إلى أن يعرف أن ذلك محرم وأنه لا يجوز، وأنه مراقب من الله، فالمراقبة لابد أن تكون ذاتية، فكل ما يقوم به الفرد في السر معلوم من عند الخالق سبحانه ويجب أن يستشعر ذلك.

تنشئة اجتماعية

وأوضح د.العقيل أن التعزيز للضبط الذاتي يحتاج إلى جهود ولن نصل إلى هذه المرحلة إلاّ بعد عمليات متوالية ومتتالية وتوجهات مستمرة من خلال التنشئة الاجتماعية، فالأسرة يجب أن تعود إلى ما كانت عليه في السابق في التوجه، فالأبناء أصبحوا يفتقدون إلى الضبط والرقابة كما في الماضي، وهذا الدور الغائب في ظل التقنيات يحتاجه الابن أو المراهق والمراهقة على حد سواء، متأسفاً على أن الأبناء أصبحوا يربوا أنفسهم، فالأم لم تعد متفرغة للتربية والأب كذلك، لذلك الأبن الحسن سيربي نفسه بشكل جيد، أما الابن السيء سينغمس في الانحراف والثقافات المتنوعة سواء كانت سلبية أو غير سلبية، حيث أنه سيحاول أن يجرب كل ذلك، مُشدداً على حاجتنا الكبيرة إلى العودة إلى الدور العقلي حتى نعزز بداخلهم أن هناك شيء محرم، فالرقابة الذاتية هي الحل، وحينما توجد فلن يندفع تجاه المواقع الإباحية، وعندها لن نخشى تلك المواقع؛ لأننا محصنين بالضبط الذاتي والرقابة الذاتية.

مؤسسات تعليمية

وأكد د.العقيل على أنه إذا ما استمر لدينا الضبط الخارجي فإننا سنحتاج إلى أن لا نغفل عنهم حتى لا يمارسوا الخطأ، ولكن إذا اعتمدنا على الضبط الذاتي فلن نخشى عليهم؛ لأن المراهق سيكون في مأمن في تلك الحالة، والشاهد على ذلك أن هناك الكثير من المبتعثات والمبتعثين من يوجدوا في مجتمعات يسود فيها الظلال والعفن لكن مثل هؤلاء المبتعثين لديهن الضبط الذاتي للنفس، في حين قد توجد فتاة في مجتمعات محافظة إلاّ أنه إذا ما أُتيحت لها الفرصة فإنها تميل إلى مخالفة الثقافة التي تعلمت عليها، والتي فرضت عليها فتنحرف وتمارس الأخطاء، مُشدداً على ضرورة أن تقوم المؤسسات التعليمية بدورها وأن تعزز من الضبط الذاتي لدى الطفل من خلال الرقابة الذاتية وتعزيزها، فعلى سبيل المثال في الامتحانات لماذا لا نمنح الطلاب الثقة ونتركه يُجيب على الامتحان دون رقيب، ونعلمه أن هناك رقابة وهي رقابة الله –سبحانه– قبل أي رقابة، مبيناً أنه يعول على المسجد كمؤسسة يجب أن تعزز ثقافة الضبط الذاتي، فيلاحظ أن المساجد بعيدة عن دعم الضبط الذاتي، وهنا يجب أن تتبنى الخطب الدينية تعميق الرقيب الذاتي لدى الفرد حتى يتأثر بذلك، خاصةً في ظل تأثير الخطاب الديني في مجتمعاتنا الاسلامية.

 


ترك الابن وحيداً دون رقابة يوقعه في وحل المواقع الإباحية

 

 

 


تعزيز الرقابة الذاتية لدى الشاب أجدى من المنع المباشر

 

 


د.محمد القحطاني


د.صالح العقيل


التعليقات مغلقة.