أقلام تحب الحياة أكثر.. فتكتب عن القلق والإحباط
الخبر – عبير البراهيم
في كل مرة كنت فيها اقترب من “مبدع ” كنت أجد فيه سمات تختلف عن غيره من الناس الذين يمكن أن اقترب منهم، أذكر قبل سنة أو ربما أكثر حينما كنت أجري حوارات مع بعض
شتيوي الغيثي:
يعيش المبدع حالة فنية حساسة تدفعه إلى التقاط ما لا يلتقط فيبتعد بذلك عن الاضطراب
المثقفين والمبدعين كنت أشعر بأنني اقترب من كائن صعب المراس، ربما قلة من المبدعين من يتصف بالسهولة في التعامل، فالكثير من المبدعين على اختلاف مراحلهم العمرية وعلى اختلاف أوطانهم كانوا شخصيات ذات مزاج صعب وتحتاج للكثير من الصبر في التعامل، إن المبدع كائن قلق جدا، متقلب جدا، صعب جدا إلى تلك الدرجة التي ربما يشعر من يحاول الاقتراب منه بأنه يتعامل مع “قنبلة” قد تنفجر في أي وقت ودون مسببات، هو ذلك الكائن الذي يصعب القبض عليه فهو متفلت كما الزئبق، وربما يكون هناك من المبدعين من الكتاب والشعراء والروائيين من يتصف بالسلاسة في التعامل وبالهدوء والتوازن ولكن يبقى “المبدع” ذلك الكائن الذي يصعب جدا التعامل معه، فذلك يحتاج إلى الكثير من الاستيعاب والتقبل والصبر..
سعود البلوي:
يخطئ المتلقي حينما يضع للمبدع قالباً يتراوح بين الشيطانية والملائكية
حاولت كثيرا أن افهم.. لماذا يتصف الكثير من المبدعين والمثقفين بتقلب المزاج وبالقلق الدائم ، وبالحدية في التعامل –احيانا– ودون مقدمات ؟ يبدو أن حالة الكتابة هي حالة أقرب إلى حالة الولادة المتعسرة، ليس لأنها تنجب أطفالا من حبر يركضون خلف الفقاقيع في الحياة، بل لأنها تنجب كائنا آخر من كائن يشبه كثيرا “الكاتب” نفسه إذا لم يكن هو نفسه وربما لأن الكتابة هي حالة تعري، حالة اشتهاء، حالة النزول إلى العمق ثم الصعود مجددا ليرى ماذا حملت روحه من “حقيقة” يعيش المبدع وهو مهوس بذلك الاشتهاء الخفي الذي لا يملكه إلا “لبرهة” من الوقت ثم سرعان ما يتفلت منه، فيعاود البحث عنه من جديد فيعيش بتلك التقلبات الوجودية والروحية التي لا تخلق إلا بداخل قلبه وافكاره.
د محمد القحطاني:
حينما يعيش المثقف مع أفكاره وبين ثقافة المجتمع فإنه يقع في الإحباط المؤلم
ويبقى السؤال هنا مطروحا عن ذلك الاضطراب والقلق الذي يعيشه المبدع مع الكتابة.. هل تلك الحالة من التعاطي الصعب وتقلب المزاج هو شرط للحالة الابداعية؟ هل المبدع –حقا– شخصية مضطربة ومتأزمة أم أن طقوس الكتابة وتلبس الابداع وتلك العزلة والألم تتطلب ذلك القدر من التعقيد التي تدفعه لأن يكون مضطربا؟ أم ان هذه الصفات اضافها بعض المثقفين الذين اظهروا هذه الصفات لتضخيم “هالة” المبدع وشخصيته فانعكست على حياته ومزاجه؟ وما علاقة ذلك كله بالمرض النفسي؟ هل يمكن ان نجزم بأن الكثير من المبدعين هم مرضى في داخل دائرة القلق النفسي المؤدي إلى المرض النفسي؟ أم ان ذلك جميعا “اكذوبة” لا علاقة لها بالمبدع الذي هو مجرد كائن ينام على واقعه فيصحو بداخل رأسه مجرد “حلم” يصر على ان يعيشه كما هو.
الحياة المرتبة:
يقول شتيوي الغيثي -الشاعر والكاتب- “شخصية المثقف مثلها مثل أي شخصية أخرى في المجتمع قد يأتي مضطرب الشخصية، وقد يأتي متوازنا مثله مثل الشيخ والتاجر والأمير والإنسان البسيط وغيرهم وهذه الشخصيات كلها فيها شخصيات مضطربة وأخرى متوازنة، ولذلك فليس المثقف هو الشخصية المضطربة بين فئات المجتمع، ولا يرتبط الإبداع بالتوازن النفسي أو غيره بل هي مواهب تصقل مع الزمن وشخصية المبدع المضطرب موجودة ولا يعني عدم وجود المبدع المتوازن، وأكثر من روج لشخصية المبدع المضطرب هم البوهيميون حين أن الإبداع أقرب إلى مفهوم العمل المركز والمتواصل فالبوهيمي لا يستطع ترتيب حياته والمواصلة بالإبداع إلى أواخر عمره. نعم يبدع في مجال محدد ولكن ليس في كل مجالات الإبداع المتنوعة ولذلك كنت دائما ما أرفض فكرة وصف المثقف بتلك الأوصاف التي تجعله أقرب إلى المريض النفسي أو مضطرب الشخصية كما أني أرفض أن يكون الإبداع مرتبط بحالة الاضطرابات الشخصي فعمل رواية مثلا تحتاج إلى صبر وجهد وترتيب حياة لا تتوفر مع مضطربي الشخصية.
وعن مدى انعكاس مثل هذه الصفات التي تلتصق بالمبدع فقد يؤمن بها من يؤمن ولكن التركيز عليها قد تضر الحالة الإبداعية التي يتصور صاحبها عدم قدرته على الإبداع إلا في الخروج عن السلوكيات السوية ولذلك يلجأ بعض المبدعين إلى تعاطي الحشيش للخروج من حالة التوازن إلى الاضطراب والإبداع في هذه الحالة محدود لنصوص قليلة إذ يتأثر المبدع لاحقا في عدم قدرته على الإبداع إلا من خلالها مما يجعل عملية الإبداع لديه تتلاشى تدريجيا بحكم تأثير الاضطراب على شخصيته، لكن من الممكن التحول من حالة الاضطراب إلى حالة الحساسية الفنية بمعنى قدرة المبدع إلى التقاط مالا يتلقط وهذا يمكن أن تكون مع الدربة والموهبة والتفكير المتواصل العميق، وليس فقط مع اضطراب الشخصية
الفكر القلق:
ويقول سعود البلوي –الكاتب والمهتم بالفكر والدراسات الثقافية – يحيل هذا السؤال المهم إلى حالة مهمة وهي ارتباط السلوك والشخصية بالإبداع، فكون الشخصية مضطربة في حدود معينة لا يعني نفي صفة الإبداع عنها في الغالب، ولا علاقة للكتابة والإبداع باضطراب الشخصية بشكل مباشر، إنما يمكن القول إن الكتابة الإبداعية هي تعبير عن القلق المعتمل في الذهن، وبالتالي فالشخصية القلقة شخصية مبدعة، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود أزمات نفسية لدى المبدعين والمثقفين، وإن كان القلق ليس سلبيا في طبيعته رافد ثقافي للشخص، فقد سبق أن كتب الدكتور عبدالرحمن بدوي كتابه “شخصيات قلقة في الإسلام” وقدم فيه نماذج مبدعة مؤثرة في تاريخ الإسلام؛ مما يعني أن الفكر النشط والمتجدد هو مصدر القلق والإبداع والبحث عن الحقيقة.
في مقابل ذلك، كتب (ميشيل فوكو) المفكر الفرنسي كتابه الشهير “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” درس فيه طبيعة العلاقة بين العقل والجنون فيما عُرف بعصر التنوير، مؤكدا أن ثمة علاقة بين العقل والجنون، على اعتبار أن كل شخص فيه نسبة من الجنون تنقص أو تزيد، حيث أكد فوكو على جنون العباقرة من الفلاسفة والأدباء والشعراء مثل نيتشه، جويا، روسو، جيرار، دونيرفال، هولدرلين.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن هذه الصفات المجنونة قد تكون أصيلة في الشخصية المبدعة، حيث إن جنون نيتشه وغيره أضاف و أسهم في ثراء الثقافة الغربية دون اعتبار للصفات السلوكية التي كان يتعامل بها مع غيره، وبذلك يكون الاضطراب -وربما الجنون- هو سمة من سمات الإبداع، بمعنى أنه الأرض الخصبة للكتابة والفن.
ومن هذا المنطلق فإن المبدع قد يكون شخصية مضطربة ومتأزمة، في الأساس كما هم بعض الذين نصادفهم في حياتنا اليومية، يمتلكون ملكة إبداع في جانب ما، ولديهم قلاقلهم ومشكلاتهم النفسية الخاصة الأخرى.
وليس للكتابة ذاتها علاقة مباشرة بالأمر، حيث لا طقوس خاصة تقتضيها، إنما الطقوس -بل الطريقة- التي يبدأ به الكاتب حالة الكتابة الإبداعية هي أمر خاص جداً، فنجد من يفضل الكتابة في العزلة، ونجد من يمارس الكتابة بشكل يومي ومنظم وكأنه يمارس رياضة المشي.
وقد يتصف بعض المبدعين بصفات أخرى تتعلق بالنرجسية وتضخم الذات المبدعة، وهذا مع الأسف الشديد لن يضيف للإبداع شيئا، فالنص حين يخرج إلى المتلقي يكون بمعزل عن شخصية صاحبه، ولكن يحتك الأفراد ببعض المبدعين قد يصدمون ببعض صفاتهم وسلوكياتهم؛ ذلك أنهم رسموا لهم صورة معينة في قالب معين تتراوح ما بين الشيطانية والملائكية، ويتم تناسي الصورة البشرية، نتيجة ما تعطيه الكتابة والتلقي من إيحاءات.
الثقافة السلبية:
ويقول الدكتور محمد بن مترك القحطاني -أستاذ علم النفس المشارك- يُعتبر الفكر مجموعة من الآراء والأفكار التي يُعبر بها الفرد عن نفسه، والتفكير غالباً يستند على معتقدات معينة، والذي يُحدد هذه المعتقدات هي البيئة التي يعيشها الفرد كالأسرة أو الأقارب أو الأصدقاء.. إلخ. أما الثقافة فهي المنظومة القيمية والأخلاقية والسلوكية للمجتمع، وهي تؤثر في فكر الشخص وبالتالي تؤثر على سلوكه ونفسيته، فمثلاً إذا كانت ثقافة الفرد سلبية فإنها ستؤثر على طريقة تفكيره وبالتالي ستؤثر على سلوكه ويصبح سلوكه سلبي في المجتمع مما يؤدي إلى شخصية غير متزنة، وعلى العكس إذا كانت الثقافة إيجابية فإنها ستنعكس على سلوكه وشخصيته بشكل إيجابي.
من الناحية النظرية يُفترض أن الثقافة الإيجابية تزيد من الوعي الفكري لدى الفرد وبالتالي تقل لديه المشكلات النفسية والشخصية، ولكن في بعض الأحيان يحدث لدى الفرد عدم توافق بين طريقة تفكيره وبين ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه مما يؤدي إلى حدوث إضرابات نفسية وسوء توافق، حيث إن الأفكار اللاعقلانية تؤثر على نفسية الفرد وسلوكه، فطريقة التفكير السليمة لها دور كبير في استقرار نفسية الفرد.
يُفترض عندما تزداد ثقافة الفرد ووعيه أن تقل لديه المشاكل النفسية، ولكن بعض المثقفين والمفكرين يصابون بالإحباط النفسي عندما لا تتوافق طموحاتهم المستقبلية وآرائهم مع واقعهم، فهم أحياناً ينظرون إلى الأمور بطريقة مختلفة عن الآخرين، ويضعون المعلومات التي يتلقونها غالباً للنقد والتمحيص، مما يشعرهم بالضيق أحياناً عندما لا يستطيعون تطوير واقعهم، فالمثقف والمفكر ينظر للأمور بطريقة مختلفة عن الشخص العادي، وبالتالي قد يفهم أشياء ويتنبأ بأمور تخالف واقعه المعاش.
والبعض يَعتقد أن الأحداث من حولنا هي التي تسبب لنا الاضطرابات النفسية، ولكن في الحقيقة الذي يسبب الاضطراب النفسي هو “طريقة تفكيرنا” نحو هذه الأحداث وليست الأحداث بحد ذاتها، مثلاً حدث معين وهو “وفاة قريب عزيز لدى الفرد” لا يعني أن الفرد سيصاب بالاكتئاب، لأن الحدث ليس هو المسؤول عن حدوث الاكتئاب أو المرض النفسي وإنما طريقة تفكير الفرد نحو هذا الحدث “وفاة قريب عزيز” هو الذي يُسبب له الحزن والاكتئاب أو يسبب له الراحة النفسية، بمعنى آخر أن طريقة التفكير الإيجابية نحو الأحداث تؤدي بنا إلى الراحة النفسية، والعكس صحيح وهو طريقة التفكير السلبية نحو الأحداث تؤدي بنا إلى الاضطرابات النفسية وسوء التوافق.
فالوعي الفكري الإيجابي مطلب لكل فرد، لأنه يُخفف من أثر الضغوط النفسية ويساعد الفرد على تنمية إمكاناته وقدراته وعلى تخطي العقبات النفسية التي قد تواجهه.


Copyright © 2012 dralqahtany . All Rights Reserved. Designed by top line.