كلما حاول أبوحميد أن يقارب وجهات النظر والرأي بينه وبين ابنه حميد يجد صعوبة في إقناعه بقناعاته التي تربى وعاش عليها، فأبوحميد من جيل الثمانينات الذي كان يعتبر نفسه محظوظاً جداً إذا ارتدى «جاكيت» وقور فوق الثوب، وإذا ما امتلك عطرا رجاليا واحدا يضعه للمناسبات الخاصة والمهمة، ويعتبر ذلك أقصى حدود الأناقة، كما أنه عاش يوفر ثمن «البيجر» الذي أتى فيما بعد، حيث يُعد واجهة اجتماعية ليس الجميع يمتلكها، في حين يرتدي ابنه البنطال الجينز المتدني قليلاً، فيما يفضل الألوان الملفتة للقميص الذي يرتديه من لون الأحمر والفوشي مع قصة الشعر التي تميل إلى التخفيف في أماكن وغزارة الشعر في أماكن أخرى، مبدياً حرصه الكبير على أن يقتني الهاتف الخلوي الجديد المتباهي بثمنه الباهظ، إلاّ أن المشكلة لدى «أبوحميد» ليس في اختلاف طريقة الهندام واللباس، إنما في النظرة للأمور فيما يتعلق بالواجب والأخلاق والسلوك، والاهتمام بكل ما يتعلق بالأسرة بالشكل الذي يجعل منه مستشعرا للمسؤولية، وللخطوط العامة للأخلاقيات والعرف الاجتماعي، فكلما دخل أبوحميد في نقاش مع ابنه وجد الاختلاف الذي لا يقودهما إلاّ لمضيعة الوقت، فليس هناك تقارب بين ما يراه صحيحاً الجيل القديم وبين ما يتجه إليه الجيل الجديد، فالاختلاف كبير بين الجيلين، ومعطيات الحقبتين من الزمن تختلف بشكل جذري في صفاتها وشكلها، فالاختلاف موجود والإقناع والتقارب مهمة أصبحت ليست سهلة.

وفي الوقت الذي يقتنع الآباء بما تربوا عليه من الأخلاق والقيم والسلوكيات التي جعلت منهم معتزين بما تعلموه، يجد الجيل الجديد أن الآباء متخلفين عنهم في الحقبة الزمنية التي يعيشونها والتي تمثل ذروة الثورة التقنية والانفتاح والاتصال بالمجتمعات والثقافات الأخرى، فجيل الشباب الحالي يجد أن الآباء لا يفهمون عليهم، في الوقت الذي يشعر الآباء أن الجيل الجديد أصبح مستهتراً غير قادر على تحمل المسؤولية، كما أنه لا يحترم التقاليد الاجتماعية والخطوط العريضة لشكل الحياة الاجتماعية والأسرية التي عاشوا عليها أسرهم، حتى أصبح هناك اختلاف بين رؤية الجيل القديم مع الجيل الجديد، فهل يمكن أن يتم التقارب بين وجهات النظر بين الجيلين بالشكل الذي يخلق التقارب الأخلاقي والقيمي بينهما؟ مع تعزيز الاختلافات الإيجابية لدى الجيل الجديد؟.

دون حل

ورأت خلود عبدالرحمن معطي – منسقة إدارية في مؤسسة تعليمية – أن الأمهات يعانين من الاختلاف بينهن وبين الجيل الجديد، متأسفةً أن شكل التربية اليوم لم يعد كما السابق، ففي الوقت الذي عاشت وهي تحترم كل ما تقوله والدتها، وكل ما توجهها إليها، معتبرةً أن نصائحها أثمن من الذهب، تجد أن أبناءها يسخرون من نصائحها ويقللون من قيمتها، معتبرين أن الاختلاف الزمني بين الحقبتين لا يؤهل الوالدين لفهم الاختلاف الذي يعيشه الأبناء، مشيرةً إلى معاناتها في تربية أبنائها لاسيما في ظل المعطيات الجديدة من الانفتاح التقني وتوافر كل المعلومات الصحيحة منها والخاطئة في قنوات التواصل الاجتماعي، والتي أصبح الأبناء يتأثرون بها ويعتبرونها واجهة حقيقية للحياة التي يجب أن تعاش، في الوقت الذي لا يشعرون بأهمية التوجيه والملاحظات التي تخبرها لهم، وهنا يأتي الاختلاف الذي ليس له حل، فالأبناء لا يقتنعون بما يقوله الآباء، مبررين ذلك التباعد باختلاف الحقبتين الزمنيتين، على الرغم من أنهن كأمهات أيضاً عشن حقبة زمنية تختلف عن الحقبة الزمنية التي عاشها أمهاتهم، لكن الاحترام والإصغاء والطاعة كانت موجودة.

متسرع ومُخفق

وأوضحت سمر الشريف – تعمل في العمل التطوعي – أن الجيل الجديد – مع الأسف – متسرع ولا يستطيع أن يقبض على هدف واحد، وإن نجح في بعض المسائل فإنه يخفق كثيراً في المسائل المتعلقة بالأسرة والمجتمع، فهناك مشكلة كبيرة في التواصل معهم، والغريب أنه في الزمن الماضي كان الأبناء يتنازلون عن أشياء كثيرة طلباً للتقارب مع آبائهم، بخلاف هذا الزمن الذي أصبح الآباء يتنازلون عن أشياء كثيرة حتى يتقاربوا مع الأبناء، وغالباً لا يحدث هذا التقارب، فجيل اليوم متعنت لرأيه – حسب قولها -، رافضا للنصيحة، عجول في رغباته، يريد أن يحصل على كل شيء دون أن يفعل أي شيء، معتبراً والديه من الآثار التي لا يصلح لزمنه، فكل ما يقولونه هو مضحك أو غير مقنع أو من زمن «الطيبين» – بحد تعبيرهم -، لذلك يقع الاختلاف وأصعبه حينما يطال القيم والأخلاق.

فهم المرحلة

وأوصت هنادي الناصر – تعمل في إدارة حكومية – ضرورة أن يسعى الوالدان لخلق القاعدة التي تقربهم من الأبناء، وتفهم طبيعة المرحلة الحياتية والاجتماعية التي يعيشونها؛ لأنها مختلفة جذرياً عن المرحلة التي عاشوها في زمن الثمانيات أو السبعينات الميلادية، مؤكدةً على ضرورة أن يكون هناك حوار هادئ ومحب مع الأبناء مع ضرورة إشعارهم بأنهم محط الاهتمام والقبول في جميع أحوالهم حتى لا يخلق النفور بين الأبناء والآباء، مما يسبب الكثير من العواقب غير الجيدة على توجهات الأبناء، مُشددةً على ضرورة استيعابهم وتفهم طموحهم وتطلعاتهم مع حفظ مكانة الوالدين وتربيتهم بشكل يدعم من وجود الآباء في حياتهم، وليس العكس، وهذا يتطلب الكثير من الفهم والوعي لاختلاف طبيعة المرحلة التي يعيشونها والتي أصبح من الصعب القبض عليها.

طريقة التفكير

وتحدث د. محمد بن مترك القحطاني – بروفيسور علم النفس – قائلاً: إن هناك فروقات كبيرة بين الجيل القديم المتمثل في جيل الثمانيات والتسعينات الميلادية وجيل اليوم، وأهمها تبرز في طريقة التفكير وأسلوب الحياة، وسبب هذا الفرق هو التطور الموجود والمعطيات الحالية الجديدة، ففي السابق كانت الحياة أكثر بساطة وأقل تحديات من الوقت الحالي، والتي تبرز فيها تحديات أكثر، وتطورات سريعة يومية يمر بها الإنسان، لذلك يواجه الوالدان والمربون بشكل عام تحديات في تربية الأبناء والبنات، ومن أبرز هذه التحديات طريقة التفكير، فطريقة تفكير الآباء تختلف عن طريقة تفكير أبنائهم، لاسيما إذا كان فرق العمر كبيرا بينهما، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت ذلك التحدي، وبعض النماذج الخاطئة التي قد يضعها الأبناء والبنات كنموذج ويقومون بتقليدها، وهي نماذج سلبية سواء كانت مما ينقل عن طريق وسائل الإعلام، أو بعض المشاهير، فيقومون بتقليدها ومحاكاة هذه النماذج، مضيفاً أن طريقة التربية لها دور كبير في خلق ذلك الاختلاف، ففي الماضي كانت الأمهات يستخدمن الضرب في التربية، وأحياناً كان ذلك مجديا، في حين يختلف الحال في الوقت الحالي والذي لم يعد يجدي استخدام العنف أو الترهيب أو التخويف في تربية الأبناء، فاختلف الحال كثيراً، عدا الإدمان الذي أصبح موجوداً لدى الأبناء لقنوات التواصل التي خلقت تحديات إضافية لدى الآباء في تربيتهم للأبناء.

نماذج إيجابية

وأوضح د. القحطاني أن أهم النصائح العملية التي يمكن اعتمادها ولها فاعلية في خلق التقارب بين الجيلين وتقليل مساحة الفجوة بينهما أنه لا بد على الآباء والأمهات تجنب استخدام أساليب التنشئة الخاطئة كأسلوب الرفض أو أساليب التهديد أو الضرب أو التنشئة الأسرية القائمة على المطالب الزائدة كاشتراط الوالدين على الابن أو الابنة أن يتخصص «طب» أو أن يكون الأول على دفعته وهي من الأساليب الخاطئة، لذلك يجب على الوالدين استخدام أساليب تنشئة صحيحة قائمة على حب وتقبل الأبناء، مع توضيح أن الحب لسلوكهم يقترن بمدى قبول ذلك السلوك والعكس صحيح، مع تعديل السلوكيات الخاطئة دون وجود التحامل عليهم، مضيفاً أنه يجب على الوالدين أن يمثلا نماذج إيجابية لأبنائهما حتى يحتذوا بهما، فعلى سبيل المثال لا يجب على الأم أن تمارس الكذب أمام الابنة ثم تغضب إذا مارست الكذب عليها فالقدوة مهمة في التربية، كما يجب على الوالدين أن يقدما التعزيز للأبناء خصوصاً السلوكيات الجيدة، فعلى سبيل المثال يعززان سلوك الصلاة والصدقة والاحترام لديهم بتحديد هذه السلوكيات مع دفع الأبناء لتكرارها، إلى جانب أنه لا بد أثناء تقديم التعزيز أن يكون الوالدان حريصين على وجود الرغبة لدى الأبناء وليس رغبتهما فقط، كما يجب أن يكون هناك تنوع في عملية التعزيز فيتم استخدام التعزيز اللفظي مرة، وأحياناً أخرى التعزيز البدني، والتعزيز المادي.

خصائص نمائية

وشدّد د. القحطاني على أهمية التغذية الراجعة أو ما يسمى بإرشاد الأبناء ضد السلوكيات الخاطئة، ويكون بين الابن والوالدين على انفراد وليس أمام الآخرين؛ لأنه ممكن أن يؤثر على مفهومه حول ذاته، ومفهومه حول شخصيته وسلوكه، كما يجب على الوالدين عدم استخدام العقاب البدني مع الأبناء والبنات مثل الضرب أو التعنيف، ومحاولة استبداله بالحرمان إذا كان لا بد من استخدام العقاب على أن يكون في حدود ضيقة، مع التنبه ألا يكون هناك تطويل لفترة العقاب، فبمجرد زوال السلوك غير المقبول لدى الأبناء يزال العقاب، كذلك تخصيص وقت للأبناء للجلوس معهم والتحاور بشكل كاف، فالكثير من الآباء مشغولين في مسؤوليات الحياة وهذا خاطئ، إذ لا بد من النقاش معهم، والحديث معهم عن المشكلات وكيف يتخطون مثل هذه العقبات حتى يشكلوا ثقتهم بأنفسهم، مبيناً أنه يجب على الآباء والأمهات غرس التعاليم الدينية الصحيحة منذ الصغر كالمحافظة على الصلاة وبر الوالدين مع استخدام عملية التكرار في التربية وهي مجدية، مع استخدام التربية الحديثة في التوجيه على سبيل المثال عن طريق مقطع «واتساب» أو فيديو جميل يرسل لهم، والتوجيه المباشر أو غير مباشر، مع ضرورة معرفة الوالدين للخصائص النمائية لكل مرحلة عمرية يمر فيها الأبناء حتى يعرفوا كيف يتعاملون معهم وفق تلك المرحلة العمرية، مشيراً إلى أهمية اختيار المدرسة الجيدة للأبناء مع عمل زيارات دورية لها، مع المساهمة في تشكيل الرفاق الجيدين لهم، وأخيراً على الوالدين ألا يستعجلوا النتائج في ذلك التوجيه، فالتربية تحتاج إلى صبر وربما لا تكون نتائجها فورية ولكن تظهر نتائجها مستقبلاً.